الجاحظ
182
البخلاء
وكانت له حلقة يقعد فيها أصحاب العينة والبخلاء الذين يتذاكرون الإصلاح . فبلغهم أن أبا سعيد يأتي الخريبة في كل يوم ليقتضي رجلا هناك دراهم فضلت عليه ، وقالوا : « هذا خطأ عظيم وتضييع كثير . وإنما الحزم أن يتشدد في غير تضييع . وصاحبنا هذا قد رجع على نفسه بضروب من البلاء » . فاجتمعوا عليه على طريق التفرغ والاستفادة منه ؛ قالوا : نراك تصنع شيئا لا نعرفه ، والخطأ منك أعظم منه من غيرك . قد أشكل علينا هذا الأمر ، فأخبرنا عنه ، فقد ضاقت صدورنا به . خبرنا عن مضيّك إلى الخريبة « 1 » لتقتضي خمسة دراهم . فواحدة أنا لا نأمن عليك انتقاض بدنك « 2 » ، وقد خلا من سنّك ، وان تعتل فتدع القاضي للكثير بسبب القليل . وثانية أنك تنصب هذا النصب « 3 » ، فلا بد لك من أن تزداد في العشاء إن كنت ممن يتعشى ، أو تتعشى إن كنت ممن لا يتعشى . وهذا إذا اجتمع كان أكثر من خمسة دراهم . وبعد ، فإنك تحتاج أن تشق وسط السوق ، وعليك ثيابك والحمولة تستقبلك ، فمن ههنا نترة « 4 » ، ومن ههنا جذبة ، فإذا الثوب قد أودى . ومن ذلك أن نعلك تنقب وترّق وساق سراويلك تتسخ وتبلى . ولعلك أن تعثر في نعلك . فتقدّها قدّا ، ولعلك تهرتها هرتا « 5 » . وبعد ، فاقتضاء القليل أدّى بك إلى هذا وما بلغت منه شيئا . وأنك أفضل . إلا أنّا نحبّ أنك تجلَّي عن الأمر بشيء ، فليس كلنا يثق لك بالصواب في كل شيء » . قال أبو سعيد : « أما ما ذكرتم من انتقاض البدن ، فإن الذي أخاف على بدني من الدعة ، ومن قلة الحركة أكثر . وما رأيت أصح أبدانا من الحمّالين
--> « 1 » الخريبة : محلَّة ببغداد . مرّ ذكرها . « 2 » انتقاض بدنك : ضعفه . « 3 » النصّب : التعب الارهاق . « 4 » نترة : الجذبة بجفاء . « 5 » هرتا : تمزيقا .